لماذا قسَّم الأشاعرة الكلام إلى قسمين نفسِىّ ولفظِى[١]

قبساتٌ من فوائد الفقيه الشيخ العالم محمد العمراوِىّ المالكِىّ
حفظه الله تعالى

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وسلم.  سئل حفظه الله لماذا قسَّم الأشاعرة الكلام إلى قسمين نفسِىّ ولفظِى.

الجواب أمرُ كلام الرب جل وعلا من الأمور التِى اختلف فيها الناس وإنما سمِى علم الكلام بذلك الاسم عند بعض الأئمة لكون مسألة الكلام من أعظم مباحثه المشتهرات  وقد ذهب الناس فِى ذلك مذاهب شتى وسلكوا مسالك سهلة حينًا ووعرة أحيانًا أخرى وقد كان الأشعرِىّ ومن تبعه أعدل الفرق فِى هذه المسألة ووُفقوا للصواب وأصوبهم فِى تقريرها شأنها شأن أصول الاعتقاد الأخرى وبيان ذلك أن المعتزلة ذهبت إلى نفِى صفة الكلام عن الله عز وجل فقالت فيما حرره إما الحرمين إنه ليس لله تعالى على قولهم كلام وليس قائلًا ءَامِرًا ناهيًا وإنما يخلق أصواتًا فِى جسم من الأجسام دالةً على إرادته اهـ فكانت نتيجة هذا المنهج القولَ بخلق القرءان وجرتْ بسبب ذلك محن وفتن بين أهل السنة والمعتزلة وذَهَبَتِ المشبهةُ إلى أنَّ الله تعالى متكلم بصوت وحرف وإلى أن كلامه أصوات وحروف وذلك تشبيهٌ محض لا محيد عنه ولا محيص منه.  قال الإمام سعد الدين التفتازانِىّ ثم قالت الحنابلة أى قسم منهم والحشوية إنّ تلك الأصوات والحروف مع تواليها وترتيب بعضها على البعض وكون الحرف الثانى من كل كلمة مسبوقًا بالحرف المتقدم عليه كانت ثابتة فى الأزل قائمة بذات البارئ تعالى وتقدس!! وأنّ المسموع من أصوات القرّاء والمرئى من أسطر الكتاب نفس كلام الله تعالى القديم!! وكفى شاهدًا على جهلهم ما نقل عن بعضهم أنّ الجلدة والغلاف أزليان وعن بعضهم أنّ الجسم الذى كتب به القرآن فانتظم حروفًا ورقوماً هو بعينه كلام الله تعالى وقد صار قديمًا بعد ما كان حادثًا [٢]اهـ

وقال إمام الحرمين فِى تقرير مذهبهم وتوهينه كلام الله تبارك وتعالى مكتوب فِى المصاحف مقروء بالألسنة محفوظ فِى الصدور ولا يحل الكلام فِى هذه المحال حلول الأعراض بالجواهر فإن كلام الله الأزلِىَّ لا يفارق الذات ولا يزايلها ومن شَمَّ طرفًا من قضايا العقول لم يَسْتَرِبْ فى أن التحول والانتقال والزوال من صفات الأجسام. ومن الغوائل التى بُلى الخَلْقُ بها أن القول فى قدم كلام الله تبارك وتعالى وكونه مكتوبًا فى المصاحف أُشبع فى زمن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله من جهلة العوام والرعاع الهمج وضرب من لا دراية له بالكلام فى هذا الأصل فسمعوا مطلقًا  أن كلام الله فى المصاحف فسبقوا إلى اعتقاد ثبوت وجود الكلام الأزلِى فى الدفاتر وارتبكوا جهالات لا يبوء بها محصل ثم تطاول الدهر وتمادى العصر فرسخ هذا الكلام فى قلوب الحشوية  ولولا ذلك لما خفى على من معه مُسكة من عقل أن الكلام لا ينتقل من متكلم إلى دفتر ولا ينقلب معنى النفس إلى الأصوات سطورًا ورسومًا وأشكالًا ورقومًا فإذن نقول بعد الإحاطة بحقيقة هذه الفصول كلام الله تبارك وتعالى فِى المصاحف مكتوب وعلى ألسنة القُرّاء مقروء وفِى الصدور محفوظ وهو قائم بذات البارِى وجودًا اهـ 

وقد توسط الأشعرية فِى الأمر فأثبتوا لله عز وجل صفة الكلام وأجروها على سَنَنِ صفاته من الوجوب والقدم والقيام بالذات ونفوا عنه مشابهة الحوادث ومشاكلة الأجسام قال العلامة ابن فورك رحمه الله فمن ذلك ما قد بينا قبلُ أنه كان يقول أى الأشعرِىُّ رحمه الله إن كلام الله تعالى صفة له قديمة لم يزل قائمًا بذاته رافعًا للسكوت والخرس والآفة عنها وإن ذلك ليس بصوت ولا حرف ولا متعلق بمخارج وأدوات اهـ فكانت نتجية ذلك عندهم انقسام الكلام إلى نفسِىّ قديم ولفظِىّ حادث واستدلوا على تلك القسمة بالقرءان والآثار قال الشيخ أبو محمد ابن أبِى زيد القيروانِىّ رحمه الله ردًّا على علِىّ بن أحمد بن إسماعيل البغدادِىّ المعتزلِىّ وذكرتَ الأشعرىَّ فنسبتَهُ إلى الكفر وقلت إنه كان مشهورًا بالكفر وهذا ما علمناه أنَّ أحدًا رماه بالكفر غيرَكَ ولم تذكر الذى كفر به وكيف يكون مشهورًا بالكفر مَنْ لم يَنْسُبْ هذا إليه أحد علمناه فِى عصره ولا بعد عصره وقلتَ إنه قدم بغداد ولم يقرب أحدًا من المالكيين ولا من ءال حماد بن زيد لعلمه أنهم يعتقدون أنه كافر ولم تذكر ما الذى كفروه به اهـ ثم ذَكَرَ ابن أبِى زيد تشنيع علِى بن أحمد البغدادِىّ على الأشعرية فِى مسألة اللفظ ثم قال والقارِئُ إذا تلا كتابَ الله لو جاز أن يُقال إن كلامَ هذا القارئ كلامُ اللَّه على الحقيقة لفسد هذا لأن كلام القارئ محدث ويَفْنَى كلامُهُ ويزولُ وكلامُ اللَّه ليس بِمُحْدَثٍ ولا يَفْنَى وهو صفة من صفاته وصفتُهُ لا تكون صفة لغيره وهذا قول مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيلَ البخارىّ وداود الأصبهانِىّ وغيرهما ممن تكلم فى هذا وكلام مُحَمَّد بن سحنون إمام المغرب وكلام سعيد بن مُحَمَّدِ بْنِ الحداد وكان من المتكلمين من أهل السنة وممن يرد على الجهمية إلى أن قال وأبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل به يقتدَى وقد أنكر هذا وما أنكر أبو عبد الله أنكرناه. فكيف يسعك أن تكفر رجلًا مسلمًا بهذا ولا سيما رجل مشهور إنه يرد على أهل البدع وعلى القدرية الجهمية متمسك بالسنن مع قول من قاله معه من البخارِىّ وغيره فلو ذكرت أمرًا يجب تكفير قائله عند أهل السنة كان لك ذلك لأنا لا تعتقد أنا نقلد فى معنى التوحيد والاعتقادات الأشعرىَّ خاصة ولكن لا يحل لنا أن نكفره أو نبدعه إلا بأمرٍ لا شك فيه عند العلماء وإذا رأينا من فروع أقاويله شيئًا ينفرد به تركناه ولا نهجم بالتضليل والتبديع بما فيه الريب وكل قائل مسؤول عن قوله[٣] اهـ

وقال الشاطبِىُّ رحمه الله ومنها انحرافهم عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات التى للعقول فيها مواقف وطلبِ الأخذ بها تأويلًا كما أخبر الله تعالى فى كتابه إشارة إلى النصارى فِى قولهم بالثالوث بقوله (فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) وقد علم العلماء أن كل دليل فيه اشتباه وإشكال ليس بدليل فى الحقيقة حتى يتبين معناه ويظهر المراد منه  ويشترط فى ذلك أن لا يعارضه أصل قطعِىٌّ فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك أو عارضه قطعِىٌّ كظهورٍ تشبيهٍ فليس بدليل لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرًا فِى نفسه ودالًا على غيره وإلا احتيج إلى دليل فإن دل الدليل على عدم صحته فأحرى أن لا يكون دليلًا.  ولا يمكن أن تُعَارِضَ الفروع الجزئية الأصول الكلية لأن الفروعُ الجزئية إن لم تقتضِ عملًا فهى فى محل التوقف وإن اقتضتْ عملًا فالرجوع إلى الأصول هو الصراط المستقيم وتُتَأَوَّلُ الجزئيات حتى ترجع إلى الكليات فمن عكس الأمر حاول شططًا ودخل فى حكم الذم لأن متبع الشبهات مذموم فكيف يُعْتَدّ بالمتشابهات دليلًا أو يُبْنَى عليها حكم من الأحكام. وإذا لم تكن دليلا فى نفس الأمر فجعلها دليلًا بدعة محدثة هو الحق.

ومن الأمثلة أيضًا أن جماعة زعموا أن القرءان مخلوق تعلقًا بالمتشابه والمتشابه الذى تعلقوا به على وجهين عقلِىّ فى زعمهم وسمعِىّ، فالعقلِى أن صفة الكلام من جملة الصفات وذات الله عندهم بريئة من التركيب جملة وإثبات صفات الذات قول بتركيب الذات وهو محال لأنه واحد على الإطلاق فلا يمكن أن يكون متكلمًا بكلام قائم به كما لا يكون قادرًا بقدرة قائمة به أو عالمًا بعلم قائم به إلى سائر الصفات.  وأيضًا فالكلام لا يعقل إلا بأصوات وحروف وكل ذلك من صفات المحدثات والبارى منزه عنها.  وبعد هذا الأصل يرجعون إلى تأويل قوله سبحانه (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وأشباهه.

وأما السمعِىّ فنحو قوله تعالى (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) والقرءان إما أن يكون شيئًا أو لا شىء ولا شىء عدم والقرءانُ ثابت هذا خُلْفٌ وإن كان شيئًا فقد شملته الآية فهو إذًا مخلوق. وبهذا استدل المريسِىّ على عبد العزيز المكِىّ رحمه الله.

وهاتان الشبهتان أخذٌ فى التعلق بالمتشابهات فإنهم قاسوا البارِئ على البرية ولم يعقلوا ما وراء ذلك فتركوا معانىَ الخطاب وقاعدة العقول.

أما تركهم للقاعدة فلم ينظروا فى قوله تعالى (ليس كمثله شىء) وهذه الآية نقلية لا عقلية لأن المشابه للمخلوق فى وجهٍ ما مخلوق مثله إذ ما وجب للشىء وجب لمثله فكما تكون الآية دليلًا على نفِى الشبه تكون دليلًا على هؤلاء لأنهم عاملوه فِى التنزيه معاملة المخلوق حيث توهموا أن اتصاف ذاته بالصفات يقتضى التركيب فى الذات.

وأما تركهم لمعانى الخطاب فإن العرب لا تفهم من قوله (السميع البصير) و (السميع العليم) أو (القدير) وما أشبه ذلك إلا من له سمع وبصر وعلم وقدرة اتصف بها فإخراجها عن حقائق معانيها التِى نزل القرءان بها خروج عن أم الكتاب إلى اتباع ما تشابه منه من غير حاجة.

وحيث رَدُّوا هذه الصفات إلى الأحوال التى هى العالمية والقادرية فما ألزموه فى العلم والقدرة لازم لهم فى العالمية والقادرية لأنها إما موجودة فيلزم  التركيب  أو معدومة  والعدم نفِى محض.

وأما كون الكلام هو الأصوات والحروف فبناء على عدم النظر فى الكلام النفسِى وهو مذكور فى الأصول[٤] اهـ

وقال السعد التفتازانِىّ فِى تلخيص المسألة (وبالجملة لا خلاف لأرباب الملل والمذاهب فِى كون البارِى تعالى متكلمًا وإنما الخلاف فى معنى كلامه وفى قدمه وحدوثه فعند أهل الحق كلامه ليس من جنس الأصوات والحروف بل صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى منافية للسكوت والآفة كما فى الخرس والطفولية هو بها آمِرٌ ناهٍ مخبرٌ وغير ذلك يُدَلُّ عليها بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة فإذا عُبِّرَ عنها بالعربية فقرآن وباليونانية[٥] فإنجيل وبالعبرانية فتوراة وبالسريانية فزبور فالاختلاف فى العبارات دون المسمى كما إذا ذُكِرَ الله تعالى بألسنة متعددة ولغات مختلفة وخالفنا فى ذلك جميع الفرق وزعموا أنه لا معنى للكلام إلا المنتظم من الحروف المسموعة الدال على المعانِى المقصودة وأن الكلام النفسِىّ غير معقول)[٦]  بل الكلام النفسِىّ معقول ومنقول فأما كونه معقولًا فما يشعر به كل متكلم عاقل من حقيقة الكلام فِى نفسه قبل النطق به وقد قيل

إن الكلام لفِى الفؤاد وإنما          جعل اللسان على الفؤاد دليلًا

وأما كونه منقولًا فقد تضافرت ءايات الكتاب وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك قال تعالى (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) فـــ(قال) إما بدلٌ مِنْ (أَسَرَّ) أو استئناف بيانِىّ وعلى التقدرين تدل الآية على أن للنفس كلامًا لقوله فِى نفسه كما حكَى القرءان الكريم (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) وقال (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) وقال (يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِى اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أى يقولون فِى أنفسهم بدليل السياق وقال (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) وقال (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِى أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وقال (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) وقال (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) وقال (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّى أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) وإنما يقول ذلك فِى نفسه بعد معاينة حقائق الآخرة وفوات فرصة التدارك وانتهاء زمن التكلم بالألفاظ الظاهرة كما نبّه إليه العلامة ابن فورك رحمه الله.

ومن الأدلة الحديثية على وجود كلام النفسِىّ ما أخرجه الشيخان وهذا لفظ مسلم عن أبِى هريرة رضِى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل أنا عند ظن عبدِى بِى وأنا معه حين يذكرنِى إن ذكرنِى فِى نفسه ذكرته فِى نفسِى وإن ذكرنِى فِى ملإ ذكرته فِى ملإ هم خير منهم وإن تقرَّب منِى شبرًا تقربت إليه ذراعًا وإن تقرب إلىّ ذراعًا تقربت منه باعًا وإن أتأنِى يمشِى أتيته هرولة اهـ

وأخرج الطبرانِىّ عن أم سلمة رضِى الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله رجل فقال إنِى لأحدث نفسِى بالشِىء لو تكلمتُ به لأحبطت أجرِى فقال لا يلقَى ذلك الكلام إلا مؤمن اهـ وأخرج عن ابن عباس رضِى الله عنهما أن رجلًا قال يا رسول الله إنِى لأحدِّث نفسِى بالشىء من أمر الرب لأن أكون حممة أحب إلىِّ من أن أتكلم به قال شعبة قال أحدهما قال الحمد لله الذِى لم يقدر منكم إلا على الوسوسة وقال الآخر قال الحمد لله الذِى ردَّ أمره إلى الوسوسة.

ومن الآثار المروية عن السلف فِى ذلك قول الفاروق رضِى الله عنه فِى قصة بيعة أبيى بكر رضى الله عنه (وكنت قد زَوَّرت مقالة أعجبتنِى أردت أن أقدمها بين يدِى أبى بكر). قال المحقق الكوثرِىّ

والحامل لأهل الحق على القول بالكلام النفسِى هو إجماع التابعين على القول بأن القرءان كلام الله غير مخلوق فخرجوا إجماعهم هذا على هذا الوجه المعقول وإلا لما صح قولهم. وتسفيه أحلام التابعين جميعا لا يصدر إلا عن مجازف فالفرق بين ما هو قائم بالخلق والمعنى القائم بالله سبحانه هو المخلص الوحيد فى هذه المسألة فاللفظى حديث والنفسى قديم كما أشار إلى هذا وإلى ذاك إمام الأئمة أبو حنيفة وتابعه أهل الحق[٧] اهـ

والله تعالى أعلم.


[١] المرجع كتاب الأجوبة المحررة على الأسئلة العشرة للشيخ محمد العمراوِىّ.

[٢] انظر مقاصد الطالبين فِى علم أصول عقائد الدين.

[٣] انظر تبين كذب المفترِى.

[٤] انظر الاعتصام.

[٥] هكذا قال السعد والصواب أن يقال بالسريانية فإن الإنجيل بها أنزل ثم نقله ناقلون بزعمهم إلى اليونانية. المنتصر بالله.

[٦] انظر مقاصد الطالبين فِى علم أصول الدين.

[٧] انظر السيف الصقيل.