يوسف الصديق وفتنة النساء[١]

قبساتٌ من فوائد الشيخ محمد هشام المجذوب

الرفاعِىِّ الحسنِى المتوفى سنة ١٤٣٧ هـ رحمه الله تعالى

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه وسلم أما بعد فاعلم يا أخِى وفقنا الله تعالى جميعًا أنه إذا ذكر مقدمةٌ وعنوان فيه مدح لإنسان وذكرت بعده قصة فالواجب أن تكون هذه القصة تأييدًا لهذا العنوان. على هذه القاعدة تفسر قصة سيدنا يوسف عليه السلام وغيره من الرسل.

قال الله عز وجل فى قصة يوسف { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ} فسيدنا يوسف من المحسنين فالقصة بعد ذلك شاهد على إحسانه . ومعلومٌ أن كلمة ( لولا ) حرف امتناع لوجود كما تقدم فإذا قلت (قتلنى فلان .. لولا أن هربت) كان المعنى لم يقتلنى لوجود هربى وفرارى منه. وهكذا المعنى {وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَءَا بُرْهَانَ رَبِّهِ} أى امتنع همه بها ولم يوجد منه همٌّ لوجود رؤية البرهان والبرهان هو نور الإيمان والإحسان الذى تهيج فى قلب سيدنا يوسف عندما طلبت منه الفاحشة وأكد الله تعالى بقوله { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} فالله صرف عنه السوء كله صغيره وكبيره ومدحه بقوله {مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} والمخلَص هو الذى اصطفاه الله واستخلصه على غيره واستعاذ سيدنا يوسف بالله لما طلبت زوجة العزيز منه الفاحشة ووعظها بأن زوجها أحسنَ إليه ولا يجوز أن يقابل الإحسان بالتعدى على عرض المحسن وأخبرها أن فعل الفاحشة ظلم والظالم لا يفلح.

وشهادة الطفل الصغير من أهلها تبين أنها هى المعتدية وأن يوسف هو البرىء العفيف لأن قد القميص من الوراء دليل على أن يوسف هو الهارب منها وأنها هى اللاحقة له ولذلك قال العزيز {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} أى اكتم هذا الأمر ولا تخبر به أحدًا والتفت إلى زوجته قائلاً {وَاسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ } ولما دعت النسوة وقطعن جلود أيديهن قالت {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} أى امتنع منى امتناعًا شديدًا وأكدت أنها مصرة على طلب الفاحشة وهددته بالسجن والتعذيب إن لم يجبها إلى طلبها فاختار السجن والتعذيب فرارًا من الفاحشة فقال يدعو الله تعالى أن يخلصه من هذه الفتنة {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَى مِمَّا يَدْعُونَنِى} والنون فى {مِمَّا يَدْعُونَنِى} نون النسوة لأن النسوة طلبن من يوسف الفاحشة أيضًا كما طلبَتْها زوجة العزيز وقوله {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} يؤكد ذلك لأن {كَيْدَهُنَّ} أى كيد النسوة.

ومعنى (أَصْبُ) أى أَمِل وهذا يؤكد أنه لم يَمِلْ بقلبه إلى الفاحشة فإذا قال إنسان لك (إن لم تصرف عنى أذى زيد مثلاً أضربه) كان المعنى أنك لم تضربه. وكذلك معنى {أَصْبُ} أنه لم يصب ولم يَمِل لطلب الفاحشة ثم بعد هذا أرادوا أن يسجنوا يوسف ليستروا على أنفسهم هذا العار والعيب لأن الناس إذا رأوا يوسف تذكروا خيانة امرأة العزيز وانتشر الأمر بين الناس ولمّا جاء رسول الملِك إلى يوسف ليخرج من السجن أبى ورفض أن يخرج حتى يحقّق الملِكُ فى أمره قائلاً {ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} أى أن العزيز عليم بطلب النسوة وامرأته الفاحشة وعليم بأنه برىء ولما أَ حضَرَ الملِكُ النسوة سألهن عن يوسف {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين} أى فى قول يوسف {هِى رَاوَدَتْنِى عَنْ نَفْسِى}.

فتبيّن أن سيدنا يوسف عليه السلام لم يفعل الفاحشة ولا أرادها ولا همَّ بها.

سيدنا إبراهيم ويقينه بربِّه جل جلاله

والله تعالى أعلم.

 


[١] المرجع كتاب القول الفصل لحسم مسائل الخلاف للشيخ محمد هاشم المجذوب رحمه الله تعالى.